الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

276

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

دار الأعمال ، وجعل دار الآخرة عنده هي دار القرار ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 1 ) . ألا إنّكم ملاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ، وسلوا اللّه الصبر والنصر ، والقوهم بالجدّ والحزم ، وكونوا صادقين . وعبّأ عليه السّلام الناس ليلته كلّها ، وخرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم ، وقال : اللّهم ربّ السقف المرفوع المحفوظ المكفوف ، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار ، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم ، وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ، وربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام ، وما لا يحصى مما يرى وما لا يرى من خلقك العظيم ، وربّ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وربّ السحاب المسخّر بين السماء والأرض ، وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم ، وربّ الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا ، وللخلق متاعا ، إن أظهرتنا على عدوّنا فجنبنا البغي ، وسدّدنا للحق ، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة ، واعصم بقية أصحابي من الفتنة . وازدلف الناس يوم الأربعاء ، واقتتلوا أشدّ قتال حتى الليل ، لا ينصرف أحد إلّا للصلاة وكثرت القتلى ، فأصبحوا من الغد فصلّى عليه السّلام بهم غداة الخميس ، فغلس بالصلاة أشدّ التغليس ، وأقبل - وعلى ميمنته ابن بديل ، وعلى ميسرته ابن عباس ، وهو عليه السّلام في القلب - في أهل المدينة ، بين أهل الكوفة وأهل البصرة ، ورفع معاوية قبّة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس ، وبايعه معظمهم على الموت ، وأحاطت خيل دمشق بقبتّه ، فزحف ابن بديل في ميمنته عليه السّلام ، وقال : قد قاتلناهم مع النبي صلّى اللّه عليه وآله مرّة ، وهذه ثانية ، واللّه ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد . فلم يزل يكشف خيل حبيب بن مسلمة من

--> ( 1 ) النجم : 31 .